محمد بن عبد المنعم الحميري

94

صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار

وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية : كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفى عشرين من رجب وقد أعز الله الدين ، ونصر المسلمي ، وفتح لهم الفتح المبين ؛ وأذاق المشركين العذاب الأليم ، والخطب الجسيم ؛ فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة ، والمسرة الكبيرة ، هزيمة إذ فونش أصلاه الله نكال الجحيم ، ولا أعدمه الوبال العظيم . بعد إتيان النهب على نحلاته ، واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده ، وحماته وقواده . حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها ، فالله الحمد على جميل صنعه ، ولم يصبني بحمد الله تعالى إلا جراحات يسيرة ألمت ، لكنها قرحت بعد ذلك ، وغنمت وظفرت . ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة ، تواردت عليه أبناء من قبل السفن ، فلم يجد معها بداً من سرعة الكرة ، فانصرف إلى إشبيلية ، فأراح بظاهر ثلاثة أيام ، ونهض نحو بلاده ، ومشرى ابن عباد معه يوماً وليلةً . فعزم عليه يوسف في الرجوع ، وكانت جراحاته تثعب وتورم كلم رأسه ، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضه المجاز حتى يعبر البحر إلى بلده . ولما دخل ابن عباد إشبيلية جلس للناس وهنى بالفتح ، وقرأت القراء ، وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه . قال عبد الجليل بن وهبون : حضرت ذلك اليوم ، وأعددت قصيدة أنشده إياها ، فقرأ القارئ : " إلا تنصروه فقد نصره الله " فقلت : بعداً لي ولشعري ! والله ما أبقت لي هذه الآية معنىً أحضره إليه ، وأقوم به . واستشهد في ذلك اليوم جماعة من أعيان الناس ، كابن رميلة المتقدم الذكر ،